مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )
4
تفسير مقتنيات الدرر
المعنى على الوجوه الأربعة المذكورة فرحمته سبحانه لعبده زكريّا حين دعا ربّه دعاء خافيا سرّا غير جهر في نفسه لا يريد به رياء ، وفي هذا دلالة على أنّ المستحبّ في الدعاء الإخفاء وأنّ ذلك أقرب للإجابة كما في الحديث : خير الدعاء الخفيّ وخير الرزق ما يكفي . وقيل : إنّما أخفى دعاءه لئلَّا يهزأ به الناس فيقول : انظروا إلى هذا الشيخ الكبير يسأل الولد . وقيل : أسرّه خوفا من مواليه . وقيل : خفي صوته قهرا لضعفه وهرمه كما جاء في صفة الشيخ : صوته خفات وسمعه تارات . وإن قيل : من شرط النداء الجهر فكيف الجمع بين كونه نداء وخفيّا ؟ فالجواب أنّه أتى بندائه أقصى ما قدر عليه من رفع الصوت إلَّا أنّ الصوت كان ضعيفا بسبب الكبر فكان نداء بحسب قصده وخفيّا بحسب الواقع . قوله تعالى : [ سورة مريم ( 19 ) : الآيات 4 إلى 6 ] قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا ( 4 ) وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا ( 5 ) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْه ُ رَبِّ رَضِيًّا ( 6 ) وقد ذكرنا في الحديث السبب في دعوته الولد وسؤاله من اللَّه قال زكريّا في دعائه حال الصلاة : ربّ إنّ عظمي ضعيف . وإنّما أضاف الوهن إلى العظم لأنّ العظم مع صلابته إذا ضعف فكيف باللحم والعصب ، والبطش إنّما يكون بالعظم دون غيره * ( [ وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً ] ) * أي عمّ الرأس البياض من الشعر وهو نذير الموت ، وتلألأ الشيب لكثرة بياضه وغرضه إظهار عجزه وتذلَّله لا تعريفا . * ( [ وَلَمْ أَكُنْ ] ) * بدعائي إيّاك فيما مضى من الأيّام مخيبا محروما وإنّك عوّدتني بحسن الإجابة وما خيّبتني فيما سألتك بل استجبت لي ولم أكن محروما يقال : شقي فلان بحاجته إذا تعب ولم يحصل مطلوبه . * ( [ وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي ] ) * الموالي هم الكلالة وقيل : العصبة وقيل : العمومة وبنو العمّ عن أبي جعفر عليه السّلام وقيل : بنو العمّ وكانوا أشرار بني إسرائيل وقيل :